شابارشا

أأسليكم بحكاية؟ إنها حكاية عجيبة، فيها من العجائب والغرائب الكثير. أما العامل الزراعي شابارشا فأمكر الماكرين: إن أمسك بحزام الجر لم تعجزه مهمة! ذهب شابارشا يعمل…

أأسليكم بحكاية؟ إنها حكاية عجيبة، فيها من العجائب والغرائب الكثير. أما العامل الزراعي شابارشا فأمكر الماكرين: إن أمسك بحزام الجر لم تعجزه مهمة! ذهب شابارشا يعمل أجيرا، لكن سنة قاسية حلت، فلم ينبت حَب ولا خضار. وجلس صاحب العمل غارقا في التفكير: كيف يطرد الهم؟ ومم يعيش؟ ومن أين يأتي بالمال؟

قال له شابارشا: «لا تحزن يا سيدي! ليمض يوم، وسيأتي الخبز والمال!»

ذهب شابارشا إلى سد الطاحونة وفكر: «لعلني أصيد سمكة فأبيعها، وها هو المال! لكن ليس عندي خيط للصنارة. مهلا، سأفتله الآن». طلب من الطحان حفنة من ألياف القنب، وجلس على الضفة وأخذ يفتل خيطا للصيد.

ظل يفتل ويفتل، وإذا بصبي يقفز من الماء إلى الضفة، وعليه سترة سوداء وقلنسوة حمراء.

وسأل: «يا عم، ماذا تفعل هنا؟»

«أفتل حبلا».

«لماذا؟»

«أريد أن أنظف البركة وأجركم من الماء، أيها الشياطين».

«لا! انتظر قليلا، سأذهب وأخبر جدي».

غاص الشيطان الصغير إلى الأعماق، وعاد شابارشا إلى عمله.

وفكر: «انتظروا، سأحتال عليكم أيها الملاعين، وستأتونني بالذهب والفضة».

وأخذ شابارشا يحفر حفرة. ولما فرغ منها وضع فوقها قلنسوته بعد أن قص أعلاها.

«يا شابارشا، يا شابارشا! يقول جدي إن علي أن أساومك. ماذا تأخذ لكيلا تجرنا من الماء؟»

«املؤوا هذه القلنسوة ذهبا وفضة».

غاص الشيطان الصغير في الماء ثم عاد.

«يقول جدي إن علي أن أصارعك أولا».

«أنت يا صغير، كيف تصارعني؟ إنك لا تقدر حتى على أخي الأوسط ميشكا!»

«وأين ميشكا؟»

«هناك، انظر! يستريح تحت شجيرة في الوادي المنحدر».

«وكيف أدعوه للمصارعة؟»

«اقترب واضربه في جنبه، وسيقوم من تلقاء نفسه».

ذهب الشيطان الصغير إلى الوادي، فوجد الدب وضربه بعصا غليظة في جنبه. انتصب ميشكا على رجليه الخلفيتين، وعصر الشيطان الصغير حتى طقطقت عظامه كلها. وبالكاد أفلت من مخالب الدب، وجرى إلى جده، روح الماء العجوز.

وقال مذعورا: «يا جدي، لشابارشا أخ أوسط اسمه ميشكا. أخذ يصارعني فطقطقت عظامي! فكيف لو أن شابارشا نفسه صارعني؟»

«هم! اذهب وتسابق مع شابارشا، لنر من يسبق الآخر».

وعاد الصبي ذو القلنسوة الحمراء إلى شابارشا، ونقل إليه كلام جده. فأجابه شابارشا:

«كيف تتسابق معي؟ حتى أخي الصغير زاينكا سيتركك بعيدا وراءه!»

«وأين أخوك زاينكا؟»

«هناك، تمدد في العشب ليستريح. اقترب والمس أذنه، وعندئذ يجري معك!»

جرى الشيطان الصغير إلى زاينكا ولمس أذنه. فانطلق الأرنب البري كالسهم، وحاول الشيطان الصغير أن يتبعه.

«انتظر، انتظر يا زاينكا، دعني ألحق بك... آه، لقد هرب!»

وقال لروح الماء: «يا جدي، انطلقت أجري بسرعة، لكن ما الفائدة؟ لم يدعني حتى أبلغه! ولم يكن شابارشا نفسه هو الذي جرى، بل أخوه الأصغر!»

زمجر العجوز وقطب حاجبيه: «هم! اذهب إلى شابارشا وجربا أيكما يصفر بصوت أعلى».

«يا شابارشا، يا شابارشا! أمر جدي أن نجرب أينا أعلى صفيرا».

«حسنا، صفر أنت أولا».

صفر الشيطان الصغير بصوت عال حتى إن شابارشا كاد يفقد توازنه، وتساقطت الأوراق من الأشجار.

وقال شابارشا: «إنك تجيد الصفير، لكنك لا تصفر مثلي! حين أصفر لن تقدر أن تبقى واقفا، ولن تحتمل أذناك. انبطح على الأرض وسد أذنيك بإصبعيك».

انبطح الشيطان الصغير على وجهه وسد أذنيه. فأمسك شابارشا عصا غليظة وضربه بكل قوته على رقبته، وهو يصفر: «فيو، فيو، فيو!»

«آه يا جدي، يا جدي! لقد صفر شابارشا بقوة حتى رأيت الشرر أمام عيني! وبالكاد نهضت من الأرض، وأشعر كأن عظام رقبتي وأسفل ظهري كلها قد تكسرت!»

«أوه! يبدو أنك لست قويا يا شيطان صغير! اذهب وخذ هراوتي الحديدية من بين القصب، وجربا أيكما يقذفها أعلى في الهواء».

أخذ الشيطان الصغير الهراوة وحملها على كتفه، ومضى إلى شابارشا.

«حسنا يا شابارشا، يأمر جدي بتجربة أخيرة: أي منا يقذف هذه الهراوة أعلى في الهواء؟»

«اقذف أنت أولا، وأنا أنظر».

قذف الشيطان الصغير الهراوة، فارتفعت وارتفعت حتى بدت نقطة سوداء في السماء! وطال انتظارهما حتى سقطت إلى الأرض. أمسكها شابارشا فإذا بها ثقيلة! فأسندها إلى طرف قدمه، وثبتها بكفه، وأخذ يحدق في السماء.

وسأل الشيطان الصغير: «لماذا لا تقذفها؟ ماذا تنتظر؟»

«أنتظر حتى تقترب تلك السحابة، لأقذف الهراوة فوقها. يجلس هناك أخي الحداد، وسينفعه الحديد في عمله».

«لا يا شابارشا! لا تقذف الهراوة إلى السحابة، وإلا غضب جدي!»

انتزع الشيطان الصغير الهراوة وغاص إلى جده.

وحين سمع الجد من حفيده أن شابارشا كاد يقذف هراوته بعيدا، خاف خوفا شديدا، وأمره أن يحمل المال من الغدير العميق ليفتدوا أنفسهم. أخذ الشيطان الصغير ينقل المال مرة بعد مرة. نقل كثيرا، لكن القلنسوة لم تمتلئ!

«يا جدي، قلنسوة شابارشا عجيبة! نقلت إليها المال كله، وما زالت فارغة. لم يبق إلا صندوقك الصغير الأخير».

«احمله هو أيضا بسرعة! هل ما زال يفتل الحبل؟»

«يفتله يا جدي!»

«أرأيت!»

لم يكن ثمة مفر. فتح الشيطان الصغير صندوق جده العزيز، وأخذ يصب ما فيه في قلنسوة شابارشا. صب وصب، حتى امتلأت أخيرا! ومنذ ذلك الحين عاش الأجير عيشة رغيدة. دعوني إلى بيته لأشرب شراب العسل والجعة، لكنني لم أذهب؛ فقد قالوا إن شراب العسل مر والجعة عكرة. فما سر هذا الأمر العجيب؟

Read this tale on NeuroTales