الأب وابنته
في مملكة من الممالك، لا في بلادنا، عاش تاجر ثري. وكانت له زوجة جميلة، وابنة فاقت أمها نفسها جمالًا. وذات يوم مرضت زوجة التاجر وماتت. حزن عليها، لكنه لم يملك…
في مملكة من الممالك، لا في بلادنا، عاش تاجر ثري. وكانت له زوجة جميلة، وابنة فاقت أمها نفسها جمالًا. وذات يوم مرضت زوجة التاجر وماتت. حزن عليها، لكنه لم يملك حيلة؛ فدفنها وبكى عليها، ثم أخذ ينظر إلى ابنته نظرة محرمة. استولت عليه رغبة آثمة، فجاء إلى ابنته من صلبه وقال:
— ارتكبي الفاحشة معي!
انفجرت بالبكاء، وظلت طويلًا ترجوه وتتوسل إليه، لكنه لم يصغ إلى شيء.
— إن لم توافقي، — قال، — فسأنهي حياتك حالًا!
واغتصبها قسرًا، فحملت منه منذ ذلك الوقت. وكان لدى التاجر اثنا عشر وكيلًا. وما إن لاحظ حمل ابنته حتى أخذ يسألها:
— اسمعي يا ابنتي العزيزة! عندما تلدين، من ستقولين إنه الأب؟
— من عساي أسمي؟ سأقول إنك أنت الأب.
— لا يا ابنتي، لا تقولي إنني أنا؛ قولي بدلًا من ذلك إنه أحد الوكلاء.
— آه يا أبي، كيف أتهم رجلًا بريئًا زورًا؟
ومهما حاول التاجر إقناعها، ظلت تكرر جوابها نفسه، بينما مضى الوقت.
وفجأة وصل رسول من الملك يطلب حضور التاجر: «الملك يسأل عنك». فذهب إلى الملك.
— بماذا تأمر يا صاحب الجلالة؟
— اجمع السفن، واذهب إلى المملكة الثلاثين البعيدة لتجلب البضائع.
ولم يكن من الممكن عصيان الملك؛ شاء التاجر أم أبى، كان عليه أن يذهب. أمر بإعداد كل شيء للرحلة، ثم قصد ابنته:
— أسألك للمرة الأخيرة يا ابنتي: عندما تلدين، من ستقولين إنه الأب؟
— من عساي أسمي؟ سأقول إنك أنت الأب.
انتزع التاجر سيفًا حادًّا من الحائط وقطع رأسها، فتناثر الدم. ثم حمل جثمانها إلى الحديقة وأخفاه في قبو، وركب السفينة وأبحر إلى المملكة الثلاثين البعيدة.
تولى كبير الوكلاء إدارة بيت التاجر كله. وفي الليلة الأولى رأى في المنام كأن صوتًا يقول له: «كيف تنام وأنت لا تعرف ما حدث في دارك؟» استيقظ الوكيل، وأخذ المفاتيح وراح يتفقد المخازن. وبعد أن مر بها كلها، بقي لديه مفتاح زائد ولم يعرف ما الذي يفتحه. وقال في نفسه: «سأذهب لأتمشى في الحديقة». وما إن دخلها حتى رأى عندليبًا على شجيرة يغني بصوت مرتفع كأنه صوت إنسان: «أيها الشاب الطيب! تذكرني، فأنا راقدة هنا!» أخذ الوكيل يبحث حتى عثر على قبو، ولم يجد مدخله إلا بصعوبة لشدة ما غطته الأعشاب والأشجار. جرّب المفتاح الزائد، فإذا هو يفتح بابه. وفي القبو كان هناك تابوت، وفيه الفتاة، وحوله شموع من الشمع الصافي مشتعلة، وعلى الجدران أيقونات بأغطية ذهبية تتلألأ. وتكلمت الفتاة الميتة، ابنة التاجر: «قدم لي خدمة أيها الشاب الطيب! خفف عني: خذ سيفًا وأخرج الطفل مني». أسرع الوكيل ليأتي بسيف. ودخل الغرفة نفسها التي قتل فيها الأب ابنته، فرأى الزهور تنبت في الموضع الذي سال فيه الدم. أخذ السيف وعاد إلى الحديقة، فشق بطن ابنة التاجر، وأخرج الطفل حيًّا، وسلمه إلى أم الوكيل لتربيه.
ومضت مدة، لا طويلة ولا قصيرة، ثم عاد التاجر من المملكة الثلاثين البعيدة. أخذ يرفع إلى الملك تقريرًا عن أعماله، وكان الصبي قد جاء إلى القصر وظل يدور بالقرب منهما.
— ابن من هذا الطفل الجميل؟ — سأل الملك.
— إنه ابن وكيلي.
أراد الملك أن يرى ذلك الوكيل، فاستدعوه إلى القصر، وروى على الفور كل ما حدث. فأمر الملك بإعدام التاجر رميًا بالرصاص، وأخذ الصبي إلى بلاطه؛ وما زال يعيش عند الملك.